الشاهد
"الحقيقة بوابة الحرية"
معلومات المدون:
الإسم : باسم الشعبي
البلد : اليمن
(اعرض صفحتي)

:: عدن..المدينة التي ولدت من رحم البركان لتعلمنا كيف نكبر! الوحدة اليمنية متجذرة في وعي الناس والإحباط داء خطير يدمر ولا يبني

هل زرتم "عدن" و"لحج" خلال إجازة العيد؟ وهل مررتم بالضالع وردفان وطور الباحة؟ إذن دعوني أنقل لكم صورة من هناك، أو بالأصح أحدثكم عما شاهدت وسمعت! أنا متأكد أنكم كقراء ومتابعين ومهتمين تتطلعون باستمرار إلى معرفة كل جديد على الأرض في المحافظات الجنوبية، وفي المقدمة تهمكم بلا شك أوضاع بلدكم من صعدة إلى المهرة.

في عدن بإمكان المتابع أن يلتقط صورة كبيرة للجنوب كله، بأحداثه وحراكه، بنبضه وسكونه، بتطلعه وقلقه. وفوق ذلك بإمكان المتابع أو الصحفي -لا أقول: المحترف، ولكن المنصف- أن يعود إلى العاصمة صنعاء بصور إضافية اعتادت عدن على إنتاجها باستمرار منذ القدم.

المدينة الأم, المدينة المتحضرة... قولوا ما شئتم! وفي الواقع ستبدو عدن متواضعة إلى درجة الخجل؛ لا تمن على أحد، ولا تنتقص من أحد، عاقدة العزم -كما بدا- على تعليمنا دروسا كثيرة وكبيرة قد لا تستوعبها عقولنا اليوم، لكن مع الوقت سنحتاج فقط لدروس تقوية  وربما إضافية، بعد أن نكون قد أتقنا كيفية التعامل مع المدن التي تمنحنا عاطفة الأمومة. دروس تقوية في الحب والبساطة والتواضع تجاه الإنسان. أما التعامل مع المدينة، بجغرافيتها البديعة، ذلك ما قصدناه في البداية. وقد اختارت عدن منذ الأزل طريق الصبر والصمت والأمل في تعليمنا دروسها القيمة، كما ينبغي أن تكون الأم لصغارها.    
 
                                           
                                                                           

وسيظل السؤال الهام الذي بإمكانك قراءته ببساطة عند دخولك إليها ومكوثك بها ووداعك لها هو: متى نكبر؟!

نعم, متى نكبر؟ ليس لأننا صغار، ولكن لأن "عدن" كبيرة في كل شيء: في احتضاننا جميعا بجمالنا وقبحنا، بحبنا وبغضنا، بحقدنا وسماحتنا، بسذاجتنا وحلمنا، دون تفريق أو تمييز. وفي كل يوم يخالجك إحساس بأن المدينة عازمة على تعليمك شيئا من المعاني الراقية والقيم السامية. تعلمنا كيف نكون نسيجا واحدا وجسدا واحدا، مع حرصها على تعددنا وتنوعنا في توجهاتنا وتفكيرنا وإبداعاتنا، لأن ذلك يجعلها أكثر ألقا. إنه خيارها هي, فالمدينة التي ولدت من رحم البركان تتطلع دوما بلا شك إلى الهدوء والسلام.

أما درس التوحيد المكتوب على جبينها، تشربه الأفذاذ في الزمن الغابر، ونستطيع نحن هضمه اليوم من أول زيارة للمدينة التي انصهرت فيها منذ القدم أجناس ملونة، ليس في البشرة فحسب، وإنما في الثقافة والمعتقد.

إذن, لماذا نصر على أن نظل صغارا، نفرز على جسد المدينة أوساخنا  وكل ما تحويه نفوسنا اللاهثة خلف السراب من عداوات وآثام وخصومات؟ عدن لليمنيين, فلماذا لا نكون نحن لها، لنكون لكل اليمن. إنه قدر المدينة المشرقة بالرقة والعنفوان والتجدد الدائم، أن تظل قبلة لكل طامع. مثلما هي قطعة من ذهب خالص اختار القدر لها مكانا مميزا على جسد  السعيدة الممدد بنسق مذهل، ليجعلها فتنة للمفتونين، وليمحص عندها إخلاص اليمنيين وحبهم لليمن جنوبا وشمالا شرقا وغربا.

البحر في عدن يبدو هادئا, اختار أن يكون طوال الأيام الماضية صديقا حميما للزائرين، أطفالا ونساء شيوخا وشبانا، أفواج كبيرة قصدته من مدن ومناطق عديدة في اليمن، جاءت لتغسل همومها ولتدفع عنها أدران الجسد، فضلا عن أمل مختلف يحركها لتجديد الروح والحياة. ومثلما هو لا يقبل الجيف أن تستقر في أعماقه، يفترض بالنفس أن تتطلع إلى ذلك من أول نظرة إلى البحر الكبير.

أظنني أسهبت كثيرا، لكنها عدن، تستحق منا كل شيء لقدرتها الفائقة في  امتلاك القلوب من دون سحر وشعوذة.

 

حدث وحديث

تمثل عدن اليوم مركز الحدث الذي يشهده الجنوب اليمني طولا وعرضا، لأن فيها تختمر الرؤى والأفكار، وتتزاحم المعاناة، وتلتقي الطاقات المتعطشة للنضال السلمي. إذا ما أردت أن تعرف شيئا عما حدث ويحدث، فولِّ وجهك "عدن"! تجول في الشوارع! اجلس إلى الناس في المقاهي! اركب وسائل النقل العامة! زر المنتديات وأماكن المقيل الأخرى...! بالتأكيد ستحصل على صورة، لا أقول مكتملة، ولكنها مهمة لتكوين فكرة ستحفزك فيما بعد لمواصلة البحث والاستقصاء بسهولة في ما وراء الحراك القائم.

عدن رائعة، وكل المناطق التي مررنا بها، ابتداء بالضالع، ذهابا وإيابا، والحبيلين ولحج وطور الباحة، تبدو هادئة وساكنة؛ لكن هذا لا يعني أن معاناة الناس انتهت وأن كل "شيء تمام التمام". هناك من يتحدث بأن الهدوء والسكون الذي ساد المحافظات الجنوبية أيام إجازة العيد ما هو إلا "استراحة المحارب، على أن لا ينظر إليه  كسكون دائم أو استسلام قسري". ونحن جميعا نتطلع إلى أن يكون هدوءا دائما وأبديا، لكن كما يبدو ينتظرنا الشيء الكثير مما يجب علينا  فعله.

من غير اللائق أن نصور مشاكل الناس وهمومهم على أنها مستعصية على الحل أو أنها مفتعلة. اللائق هو القول إن كما كبيرا من التحذيرات والإشارات قد سبقت ما يجري الآن، ولو تم أخذها بعين الاهتمام والاعتبار لما حدث كل ما حدث، وما هو مرشح للحدوث مستقبلا في حال ظلت الأمور كما هي عليه على الأرض وفي عيون الناس.

أحدثكم عن قوت الناس، عن البطالة والمعاشات المتدنية، عن نهب الأراضي، عن المظالم المختلفة، التي قد تكون متشابهة على امتداد البلاد، لكن خروج الناس في المحافظات الجنوبية في احتجاجات ومظاهرات يجعل من الصورة مختلفة وخطيرة، ومن الساحة مكانا ملائما للاستقطاب وتحقيق أهداف تضر بالناس والبلاد.

التقيت عددا من المتقاعدين العسكريين، منهم من تقاعد قبل عشر سنوات، أي العام 1997، وقد سكن في داخلهم اليأس بعدم الحصول على حقوقهم؛ إلا أن ما حدث مؤخرا هو أن القرارات الأخيرة شملتهم وتم رفع مرتباتهم من رقم لا يتجاوز الـ30 ألف ريال إلى ما فوق الـ50 ألف ريال. ومنهم حصلوا على  أكثر من ذلك، منهم عقداء ونقباء ورواد، فضلا عن أعداد أخرى تم إعادتها إلى أعمالها السابقة بعد أن تهربت بمحض إرادتها. لكني في الحقيقة لم أستطع الحصول على الرقم الحقيقي لمن تم معالجة قضاياهم من العسكريين. هناك تضارب في الأرقام، فالمعلومات الرسمية تقول إنه تم حل 97 بالمائة، ومعلومات المتقاعدين تتحدث عن 4 آلاف من أصل 60 ألف متقاعد ومسرح عسكري. المسألة تحتاج إلى جهد أكبر لتقديم معلومة صحيحة ودقيقة للقارئ, لكننا في الواقع لن نستطيع الجزم بعدم وجود جهود تبذل لمعالجة المشكلة القائمة.

علينا أن ندرك أن قضية المتقاعدين العسكريين "لم تعد هي الأساس في سلم مطالب الناس؛ هي جزء بسيط من قضية كبيرة ومتفرعة"، هكذا يتحدث الناس وفي نفوسهم أمل كبير بمعالجات لاحقة وسريعة يفترض أن تطال كافة المطالب والحقوق.

أما ماذا نعرف عن هذه القضية؟ وما مدى مشروعيتها وصدقيتها؟ سنترك ذلك للأيام القادمة، فهي وحدها الكفيلة بالإجابة على هذا السؤال المعقد.

الجمعية والتيار السياسي

يفضل الناس عدم الحديث عن التيارات والأحزاب السياسية، كما لو كانوا قد وجدوا في الجمعيات المختلفة طريقا للخلاص. الدعوة إلى تشكيل كيان سياسي "لأبناء الجنوب" لم تلق تفاعلا كبيرا في الشارع ؛ البعض اعتبرها محاولة لشق الصف وتحقيق مكاسب بعيدة عن مطالب الناس التي وصفوها بـ"العادلة والمشروعة".

إلى الآن يتحدث عدد ممن شاركوا في تشكيل الجمعيات بأنها "استطاعت حشد الناس وتعريفهم بمطالبهم وكسر حاجز الرهبة والخوف". عدا ذلك تجدهم ينتقدون وسائل إعلامية مختلفة قالوا إنها "تعمل جاهدة على إظهارهم كانفصاليين ومناطقيين، مع أن تلك الممارسات فردية ولا تعبر بالضرورة عن توجه الغالبية العظمى التي تعتبر الوحدة منجزا ومشروعا كبيرا لكل اليمنيين"، حد وصفهم لها.

الحزب السياسي في نظرهم أثبت فشله، إما بالصراعات الجانبية أو الداخلية، وإما بالفساد أو باللجوء إلى الطاولات، بعيدا عن تلمس هموم الناس أو الضغط عبر الشارع في تبنيها، والتي تراكمت على مدى سنوات طويلة، بفعل الإهمال والتسيب، الأمر الذي أوصل الأمور إلى ما هي عليه من تردٍّ واحتقان.

يبدو من المشهد القائم أن الشارع سيظل هو الورقة الوحيدة  لتحقيق المطالب والحقوق ومعالجة الاختلالات على امتداد جنوب الوطن، وبدأ مع مرور الأيام يجتذب حركات ومطالب وشعارات جديدة، والناس -كما فهمت وأحسست من أحاديثهم- يتطلعون إلى أن لا يكون مسرحا للصدامات وزعزعة الاستقرار ومكانا للابتزاز وفرض قناعات وزعامات بما يلحق الضرر باليمن واستقراره ووحدته.

حين كنت في العاصمة صنعاء قبل عيد الأضحى، طالما سمعت وقرأت أن الناس "خلاص! طفشوا!" ويريدون التخلص من الوحدة، وأنهم يتحدثون عن دولة جديدة في جنوب الوطن. وحينها حاولت أن أكتب بما يناقض هذه التوجه، انطلاقا من قناعاتي بأن هذا الكلام لا يمثل الناس العقلاء بقدر ما هو تنطع وقفز في الهواء لا يصدر عن وعي راسخ وإنما هو صادر بفعل محفزات ودوافع مختلفة أساسها الإحباط وفقدان الأمل في التغيير.

والإحباط -كما يؤكد علماء النفس- يفقد العقول رشدها وتركيزها، ويدفعها إلى التدمير والتخريب. وإذا ما سلمنا بوجود الإحباط ومدى خطورته، إذا ما اتسع مثلا، فالسؤال سيكون: من المتسبب في صناعة هذا الإحباط في النفوس، وتعهده بالمزيد من الاستفزازات والممارسات الخاطئة؟

أعود إلى ما سبق لأقول إني فوجئت فعلا بما يجري الترويج له، حينما وجدت مواقف الناس الايجابية من الوحدة اليمنية ثابتة، حتى أنه أصبح بمقدوري الآن الحديث أكثر مما مضى عن أن موضوعا كهذا يعد محسوما ومبنيا على قناعة تامة في النفوس لدى قطاع واسع من الناس, بينما الذين يتفوهون بكلمات تشطيرية لا ينطلقون من قناعات راسخة ولا يملكون الرؤية الكافية لإقناعك بما يذهبون إليه. لكن في الواقع هناك تخوف وقلق كبيران حتى لدى عدد من العقلاء، من أن تدفع الأوضاع القائمة إلى الفوضى وزعزعة الاستقرار وفقدان السيطرة وانفلات الأمور، مما يشجع قوى أخرى على التدخل "لتحقيق مكاسب معينة ومضرة". ورغم ذلك يرى كثيرون أن "الكرة ما تزال في ملعب السلطة".

وإذا كانت هناك فعلا أصوات تشطيرية تنطلق من مواقع متقدمة في الشارع، وهذا طبعا استفسار طرحته على عدد من الناس فكانت ردودهم مختلفة، فهناك من يقول إن ذلك "محاولة للضغط على السلطة", وهناك من يقول إن "هناك عناصر انتهازية تمارس عملية الابتزاز على حساب قضايا الناس العادلة", وهناك رأي ثالث يرجح وجود "عناصر مندسة مهمتها حرف مطالب الناس المشروعة".

أيا كان الأمر, فالثابت هو  إن الساحة في المحافظات الجنوبية مهيأة الآن أكثر من أي وقت مضى، إذا ما استمرت الاحتجاجات والاعتصامات، لحدوث عملية فرز حقيقية في وسط الحراك الشعبي  ستسهم بالتأكيد في إزالة الالتباسات وإيضاح الرؤية الواقعية للمراقبين والمهتمين فضلا عن الانتصار لقيم المجتمع وثوابته.

 

فلاشات أخيرة

-قضية الأراضي الزراعية، وغيرها، مرشحة للبروز بقوة خلال الأيام القادمة، بفعل عدم التوصل إلى حلول مرضية بين المالكين من جهة وهيئة الأراضي من جهة أخرى.

-ما سبق مجرد رصد لنبض الشارع وانطباعات عابرة حاولنا من خلالها ملامسة الهموم وتوجيه رسائل مختلفة نتمنى أن تلقى آذانا صاغية. مع تأكيد أننا لا نتقص من جهود أحد، أيا كان، في السلطة أو في الشارع، بل إننا نباركها ما دامت تخدم الاستقرار والصالح العام.

-أسعار الأسماك في عدن مرتفعة جدا، ليس في الأسواق البعيدة من البحر، وإنما على شاطئ بحر صيرة.

-أسعار المياه المعدنية هي الأخرى ارتفعت بصورة مفاجئة، فسعر القنينة الواحدة من مياه "حدة" أو "شملان" وصل إلى 50 ريالا في عدن ولحج.

-أجرة المواصلات هي الأخرى ارتفعت، فبينما كان الراكب يدفع 25 ريالا على "الباص الهايس" قبل أشهر قليلة، من الشيخ عثمان أو من المنصورة إلى كريتر أو إلى التواهي، أصبح اليوم يدفع 35 ريالا، فضلا عن أجرة وسائل النقل الأخرى.

-أجمل شيء في عدن أنها مازالت تحتفظ بكل ما هو قديم. فعلى مستوى وسائل النقل مثلا يلفت انتباهك مشهد الباصات الـ"تاتا" أو "أبو ربل"، كما يطلق عليها البعض، على اعتبار أنها وسائل نقل للفقراء فقط، وهي تتحرك في الشوارع، فضلا عن الأتوبيسات بأشكالها المختلفة والمثيرة للانتباه.

-لا ينبغي التقليل من حجم المشكلة، ولا محاولة تضخيمها؛ ففي الواقع توجد مشكلة بحاجة إلى جهود جبارة لوأدها.

-هناك من يتحدث عن أن حكومة الدكتور مجور استهدفت منذ اليوم الأول بالأزمات والفتن النائمة؛ لذلك هي الآن تواجه تحديا كبيرا في الوصول بالسفينة إلى بر الأمان.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية